ابو القاسم عبد الكريم القشيري

354

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 57 ] أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) يعنى الذين يعبدونهم ويدعونهم - كالمسيح وعزير والملائكة - لا يملكون نفعا لأنفسهم ولا ضرّا ، وهم يطلبون الوسيلة إلى اللّه أي يتقربون إلى اللّه بطاعتهم رجاء إحسان اللّه ، وطمعا في رحمته ، ويخافون العذاب من اللّه . . . فكيف يرفعون عنكم البلاء وهم يرجون اللّه ويخافونه في أحوال أنفسهم ؟ ويقال في المثل : تعلّق الخلق بالخلق تعلّق مسجون بمسجون . ويقال : إذا انضمّ الفقير إلى الفقير ازدادا فاقة . ويقال إذا قاد الضرير ضريرا سقطا معا في البئر ، وفي معناه أنشدوا : إذا التقى في حدب واحد * سبعون أعمى بمقادير وسيّروا بعضهم قائدا * فكلّهم يسقط في البير قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 58 ] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 58 ) العذاب على أقسام : فالألم الذي يرد على النفوس والظواهر يتصاغر بالإضافة إلى ما يرد على القلوب والسرائر ؛ فعذاب القلوب لأصحاب الحقائق أحدّ في الشّدّة ممّا يصيب أصحاب الفقر والقلة . ثم إن الحقّ سبحانه أجرى سنّته بأن من وصلت منه إلى غيره راحة انعكست الراحة إلى موصلها ، وبخلاف ذلك من وصلت منه إلى غيره وحشة عادت الوحشة إلى موصلها